الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

27

مختصر الامثل

أمّا أولئك الذين لا يصدّقون بآياتنا ، بل يكذّبون بها فإنّ عقابهم على فسقهم وعصيانهم عذاب من اللَّه : « وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بَايَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ » . من الجدير بالإنتباه أنّ الآية ذكرت عقاب الذين يكذبون بآيات اللَّه بعبارة « يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ » فكأنّ هذا العقاب يطاردهم في كل مكان حتى يشملهم بأشدّ ما يكون من العذاب . قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَ فَلَا تَتَفَكَّرُونَ ( 50 ) معرفة الغيب : هذه الآية استمرار للردّ على اعتراضات الكفار والمشركين المختلفة ، والرد يشمل ثلاثة أقسام من تلك الاعتراضات في جمل قصيرة : الأوّل : هو أنّهم كانوا يريدون من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله القيام بمعجزات عجيبة وغريبة ، وكان كل واحد يتقدّم باقتراح حسب رغبته ، بل إنّهم لم يكونوا يقنعون بمشاهدة معجزات طلبها آخرون ، فمرّة كانوا يطلبون بيوتاً من ذهب ، ومرّة يريدون هبوط الملائكة ، ومرّة يريدون أن تتحوّل أرض مكة القاحلة المحرقة إلى بستان مليء بالمياه والفواكه . ولعلهم بطلباتهم الغريبة تلك كانوا يتوقعون أن يكون للنبي مقام الألوهية وامتلاك الأرض والسماء ، فللردّ على هؤلاء يأتي الأمر من اللَّه : « قُلْ لَاأَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ اللَّهِ » . يتّضح أنّ « خزائن اللَّه » تشمل مصدر ومنبع جميع الأشياء ، وهي تستقي من ذات اللَّه اللامتناهية منبع جميع الكمالات والقدرات . ثم تردّ الآية على الذين كانوا يريدون من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أن يكشف لهم عن جميع أسرار المستقبل ، بل ويطلعهم على ما ينتظرهم من حوادث لكي يدفعوا الضرر ويستجلبوا النفع ، فتقول : « وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ » . في الجملة الثالثة ردّ على الذين كانوا يتصوّرون النبي صلى الله عليه وآله ملكاً ، أو أن يصاحبه ملك ، وأن لا يتصف بما يتصف به البشر من تناول الطعام والسير في الطرقات ، وغير ذلك ، فقال : « وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىَّ » . وفي الختام يؤمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أن يقول لهم : هل يمكن للذين يغمضون أعينهم ويغلقون عقولهم عن التفكير أن يكونوا على قدم المساواة مع الذين يرون الحقائق جيداً